الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 36

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

لا بدّ قبل الوصل من جفوة * تذكي غليل الشّوق والوجد لم يذق طعم الجفا لم يكد * يفرّق بين الوصل والصّدّ وليس يدري لذّة القرب من * لم يشك يوما ألم البعد وميعادنا ميعادنا ، وعلى اللّه اعتمادنا ، ثم أمرن الملاح بالجدف ، وصرن في الجانب الشرقي ، أسرع من رجع الطرف ، وقد عرفتك أنك مخدوع والأمر إليك في الرجوع . فلما وقفت على الجملة والتفصيل ، وتحققت أنها سوفت بالأباطيل عدت إليك بقلب كئيب وصبر سليب . فحين فهمت مقاله عدمت الجلد والاصطبار ، واستنجدت الدموع الغزار ، وعدت قلقا إلى الدار ، وطال عليّ الليل فهو سنة ، وما ألم بعين نوم ولا سنة « 1 » :

--> - فكذا يكون كيد النساء بالرجال بعد وبعد وبعد ثم وصال ، ثم هجر وهجر وهجر ثم قرب ودلال ، فقد أشعلن في نفسه الشوق للقاء ، وحرمنه منه حتى يسعى جاهدا وراء تلك الغاية وهذه الأمنية ، ويعرف بعد الوصول كيف كان الجهد المبذول فيحافظ على المحصول ولا يبيع سريعا ولا يترك سفها . لقد لمنه على الترك عند إمكان الاقتناص وعزرنه بهذا الانتظار وذلك القرار ليعرف كيف يتعامل مع بنات الهوى وربات العشق والدلال ثم تركن له رسالة شعرية يبيّن له فيا أن هذه من أصول صنعة الدلال . ( 1 ) في الشعر الذي تركنهن والقول الذي سرده جمال وعزاء ونصح ووفاء وأمل ورجاء فقد قلت له أن من دواعي دوام الحب واستمراره وطول عمره أن يتخلله الجفا أو البعد أو شيء من الصد وكل هذا ليس حقيقة ، ولكنه مصنوع من صانع ماهر والآخر مخدوع ظانّا أنه حقيقة فيخاف من الفراق والوماق ويخشى عدم التلاق والآخر يعلم أنه يلهب مشاعره ليقوى حبه ويصهر شوقه ويعرفه قيمة ما يسعى إليه بالجهد في الحصول عليه حتى إذا علم أن صاحبه قد صار على ما يرام وصله بحساب وقدر وكان منه على حذر حتى لا يكتشف السر ولا يهمه الكر ، فأجدني في نصحه بما تركن له من شعر وقد أجاد رسوله في سرد القصة ووصف حاله وحالهن وعودته إليه بهذه الصفة فقد أمله بما أملن فقال له أنهن صادقات العهد فميعادهن ميعاد لن يخلف وسوف يفين به ولن يخلف على الرغم من خلفهن لوعده الأول فقد بررن سبب هذا الخلف ، حيث إنه لصالح الحب والعشق وأنه من أصول الحب ودواعيه وأنه صفة بها يتصف المعشوق ليقوى الشوق ، كيف والمعشوق من النساء اللواتي هن أصل لهذا الداء الذي إن لم يفعلنه فقدن قدرا كبيرا من خفتهن وجمالهن ، فالخفة والجمال في الدلال ، وأصل الدلال والخداع والخيال والرواغ والمنع والامتناع الذي كلما كثر زاد الحب وعلا التمني ولحت الرغبة والتهبت المشاعر وتداعت الخواطر وسرحت النواظر وتاهت الأفكار وحار في الأمر الشطار ، مع ملاحظة أنه منهن بقدر يعرفنه فلا يزدن عنه -